سيف الدين الآمدي
254
أبكار الأفكار في أصول الدين
المخاطب معناه اقتلوهم ، فظن ذلك الشخص أنه قد أمر بقتل الأسارى ؛ فقتل مالكا « 1 » . ولم يبق إلا تزويجه بامرأته ، ولعلها كانت مطلقة منه ، وقد انقضت عدتها . وقوله عمر : « إن بيعة أبى بكر كانت فلتة وقى الله شرّها » « 2 » فلا ينبغي أن يحمل ذلك على أن بيعته لم تكن صحيحة ، ولا مجمعا عليها ، وإلا كان ذلك قدحا في إمامة / نفسه ، كما تقدم ، وهو غاية الخرق ، فلا يليق نسبته إليه ؛ بل المراد بقوله : فلتة : أي بغتة فجأة . وقوله : « وقى الله شرّها » أي : شرّ الخلاف الّذي كاد أن يظهر عندها ، بين المهاجرين ، والأنصار ، وقول الأنصار : « منّا أمير ، ومنكم أمير » لا أن البيعة كانت شرا ، وذلك أنه قد يضاف الشيء إلى الشيء إذا ظهر عنده ، وإن لم يكن منه ، كقوله تعالى : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ « 3 » وأضاف « 4 » المكر إلى الليل ، والنهار « 4 » ، وليس المكر منهما ؛ بل يظهر عندهما منه . وقوله : « فمن عاد إلى مثلها قاتلوه » أي إلى مثل الخلاف الموجب لتبديل الكلمة كقول الأنصار : « منّا أمير ، ومنكم أمير » . قولهم : لا نسلم إجماع الأمة « 5 » على عقد الإمامة له . قلنا : دليله ما سبق . ومن تأخر عن بيعته مثل عليّ وغيره ، لم يكن عن شقاق ، ومخالفة ، وإنما كان لعذر وطرو أمر « 6 » . ولهذا اقتدوا به ، ودخلوا في آرائه ، وأخذوا من عطائه ، وكانوا منقادين له في جميع أوامره ، ونواهيه ، معتقدين صلاحيته ، وصحة بيعته حتى قال عليّ : « خير هذه الأمة بعد النبيين أبو بكر ، وعمر » « 7 » على ما تقدم ذكره .
--> ( 1 ) ورد في تاريخ الطبري 3 / 288 « فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه . . . فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة . . . فأمر خالد مناديا ينادى : ادفئوا أسراكم ، وكانت في لغة كنانة إذا قالوا : دثروا الرجل فادفئوه ، دفئة : قتله ، وفي لغة غيرهم أدفه فاقتله ، فظن القوم أنه أراد القتل فقتلوهم » . ( 2 ) راجع بشأنه ما مر في هامش ل 296 / ب . ( 3 ) سورة سبأ 34 / 33 . ( 4 ) وأضاف المكر إلى الليل والنهار ) ساقط من ب . ( 5 ) قارن بما ورد في غاية المرام للآمدى ص 389 . ( 6 ) ورد في المصنف 5 / 450 « لما بويع لأبى بكر تخلف على عن بيعته ، فلقيه عمر ، فقال : تخلفت عن بيع أبى بكر ، فقال : إني آليت بيمين حين قبض رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - ألا ارتدى برداء إلا إلى الصلاة المكتوبة ، حتى أجمع القرآن ، فإني خشيت أن يتفلت القرآن ثم خرج فبايعه » . ( 7 ) انظر ما مر في هامش ل 279 / ب .